محمد بن جرير الطبري

247

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) } قال أبو جعفر : اختلف القرَأء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قُراء أهل المدينة والبصرة : " ومن تَطوَّع خَيرًا " على لفظ المضيّ ب " التاء " وفتح " العين " . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيرًا " ب " الياء " وجَزم " العين " وتشديد " الطاء " ، بمعنى : ومن يَتطوع . وذُكر أنها في قراءة عبد الله : " ومَنْ يَتطوَّعْ " ، فقرأ ذلك قُرّاء أهل الكوفة ، على ما وصفنا ، اعتبارًا بالذي ذكرنا من قراءَة عبد الله - سوى عَاصم ، فإنه وافق المدنيين - فشددوا " الطاءَ " طلبًا لإدغام " التاء " في " الطاء " . وكلتا القراءتين معروفة صحيحة ، متفقٌ معنياهما غيرُ مختلفين - لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل . فبأيّ القراءتين قرأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ . * * * ( 1 ) [ والصواب عندنا في ذلك ، أن ] معنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قَضَاء حجته الواجبة عليه ، فإن الله شاكرٌ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاءَ وجهه ، فمجازيه به ، عليمٌ بما قصد وأراد بتطُّوعه بما تطوع به . وَإنما قُلنا إنّ الصوابَ في معنى قوله : " فمن تطوَّع خيرًا " هو ما وصفنا ، دون قول من زَعم أنه معنيٌّ به : فمن تَطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة ، لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعًا بالسعي بينهما ، إلا في حَج تطوع أو عُمرة تطوع ، لما وصفنا قبل . وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنى بالتطوع بذلك ، التطُّوعَ بما يعملُ ذلك فيه من حَجّ أو عمرة . * * *

--> ( 1 ) زدت ما بين القوسين ، استظهارًا من قوله بعد : " وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله . . . " والظاهر أنها مما سقط من ناسخ .